الشيخ محمد علي طه الدرة

157

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وبحرف الجر ، تقول : شكرته ، وشكرت له . كما تقول : نصحته ، ونصحت له ، وباللام أفصح . هذا ؛ ومن أسماء اللّه تعالى ( الشّكور ) ومعناه : هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات ، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة . وخذ ما قيل في معنى الشّكر للّه : فقال سهل بن عبد اللّه : الشّكر : الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ ، والعلانية . وقالت فرقة أخرى : الشّكر : هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم ، ولذلك قال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً سورة ( سبأ ) رقم [ 13 ] فقال داود - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - : يا رب ! كيف أشكرك يا رب ؛ والشّكر نعمة منك عليّ ؟ قال : الآن عرفتني ، وشكرتني ؛ إذ قد عرفت أن الشكر منّي نعمة عليك . وقال موسى عليه السّلام : كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك ، لا يجازى بها عملي كلّه ، فأوحى اللّه إليه : يا موسى الآن شكرتني . وقال ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى : الشّكر لمن فوقك بالطاعة ، ولنظيرك بالمكافأة ، ولمن دونك بالإحسان ، والإفضال . انتهى قرطبي بتصرف . هذا ؛ وشكر اللّه يستوجب المزيد من النعم ، قال تعالى في سورة ( إبراهيم ) على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وجحدها يستوجب سلبها ، وردها بها . قال تعالى في الآية نفسها رقم [ 7 ] : وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ . لذا قيل : الشكر قيد النّعمة الموجودة ، وبه تنال النعمة المفقودة ، وينبغي أن تعلم : أن فائدة الشكر تعود على الشاكر نفسه ، قال تعالى في سورة ( النّمل ) رقم [ 40 ] : وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وقال جل ذكره في سورة ( لقمان ) رقم [ 12 ] : وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ . هذا ؛ والشكر مطلوب لكل منعم ، ومحسن ، ولو كان من البشر ؛ لذا فقد ندبنا الرسول المعظم صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أعطي عطاء ، فوجد ؛ فليجز به ، فإن لم يجد فليثن ، فإنّ من أثنى ؛ فقد شكر ، ومن كتم ؛ فقد كفر ، ومن تحلّى بما لم يعط ؛ كان كلابس ثوبي زور » . الترمذي . وعن أسامة بن زيد - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من صنع إليه معروف ، فقال لفاعله : جزاك اللّه خيرا ؛ فقد أبلغ في الثّناء » . وعن النّعمان بن بشير - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم يشكر القليل ؛ لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس ؛ لم يشكر اللّه ، والتّحدّث بنعمة اللّه شكر ، وتركها كفر ، والجماعة رحمة ، والفرقة عذاب » . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يشكر اللّه من لا يشكر النّاس » . قال الخطابي - رحمه اللّه تعالى : هذا الكلام يتأوّل على معنيين : أحدهما : أنّ من كان طبعه كفران نعمة الناس ، وترك الشكر لمعروفهم ؛ كان من عادته كفران نعم اللّه عز وجل ، وترك الشكر له . والوجه الآخر : أنّ اللّه تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه ، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ، ويكفر معروفهم ؛ لاتصال الأمرين بالآخر ، ورحم اللّه من قال : [ الطويل ] ومن لم يؤدّ الشّكر للناس لم يكن * لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر